كاتب صحفي تونسي
الجمعة 7 أيلول (سبتمبر) 2012
|
| توفيق المديني/الشروق |
أعدمت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا نائب القنصل الجزائري في مدينة غاو بشمال مالي الطاهر التواتي فجر السبت 2 سبتمبر الجاري، وأوضحت مصادر أمنية مطلعة، أن قائد الحركة الإسلامية المالية المرتبطة بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” محمد ولد نويمر هو من أعطى الأمر بتصفية الدبلوماسي الجزائري، مشددة على أن السلطات الأمنية العسكرية الجزائرية في اجتماعات متصلة من أجل تحديد الطريقة التي سيتم التعامل مع الجماعة الخاطفة، لاسيَّما أن ثلاثة دبلوماسيين من بينهم القنصل الجزائري لا يزالون تحت رحمة هذا التنظيم الإرهابي.
وجاء تنفيذ الإعدام للدبلوماسي الجزائري بعد أن رفضت السلطات الجزائرية إبرام أي اتفاق مع حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، علماً أنه في الخامس من أبريل 2012، تبنت الحركة المتحالفة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين خطف سبعة جزائريين من قنصلية الجزائر في مدينة غاو بشمال مالي الذي يسيطر عليها لإسلاميون منذ خمسة أشهر. وكانت هذه الحركة الإسلامية المتشددة طالبت السلطات الجزائرية في شهر مايو الماضي بالإفراج عن الإسلاميين المعتقلين وبفدية تقدر بنحو 15 مليون يورو مقابل الإفراج عن رهائنها. وفي يوليو الماضي، أعلنت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا الإفراج عن ثلاثة من الرهائن السبعة، وتحدثت عن “شروط” تعرفها الجزائر للإفراج عن الباقين.
ويجمع المحللون الغربيون المواكبون للتطورات في شمال مالي عقب سيطرة الإسلاميين المتشددين على هذه المنطقة الشاسعة مع بداية هذه السنة، وإعلانهم الانفصال عن الدولة الأم، أن شمال مالي يعيش حالة من التطهير العرقي والديني التي تقوم بها حركة التوحيد والجهاد تجاه السكان الآمنين، حيث يقوم هؤلاء الإسلاميون المتشددون بالاعتداء على الأماكن الأثرية المقدسة في البلاد، وبإجبار المئات من الشباب المالي الذين يتم خطفهم على التوجه قسرا إلى معسكرات تدريب تابعة لمتمردي مالي ليصبحوا جنودا محاربين ضمن حركة التمرد في الشمال ومن يخالف هذا الأمر من الشباب المختطفين يقتل وتتم تصفيته وتعذيبه قبل قتله. وكنتيجة لهذه الممارسات الإرهابية، هجر الآلاف من الماليين بيوتهم بحثا عن مكان آمن لهم بعيدا عن العنف، الأمر الذي تسبب في وجود أزمة إنسانية نتيجة وجود الكثير من المخيمات التي تفتقر لأدنى شروط الحياة ناهيك عن النقص الكبير في المواد الغذائية والأدوية.
ورغم طلب المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” الحصول على موافقة الأمم المتحدة لنشر قوة إفريقية للتدخل في شمال مالي، فإن أعضاء مجلس الأمن الذين اجتمعوا في الأسبوع الأول من شهر أغسطس الماضي، أكدوا في بيانهم أن المجلس أخذ العلم بالخطة العسكرية الجارية، للتدخل في شمال مالي لكنه لم يعط موافقته على طلب نشر قوة إفريقية في هذا البلد، داعيًا الجيش المالي إلى العودة إلى ثكناته وعدم التدخل في القضايا السياسية. ودعا أعضاء المجلس أيضًا المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إلى حمل الحكومة المالية على توضيح موقفها حيال هذا الانتشار الذي يجب أن يحصل على موافقة رسمية من قبل باماكو، قائلين: “إنهم ينتظرون إيضاحات خصوصًا من جانب الحكومة المالية وكذلك “خيارات مفصلة تتعلق بالأهداف والوسائل والطرق التي ستتبع لنشر القوة”.
الرئيس الانتقالي في مالي ديونكوندا تراوري أعلن يوم الأربعاء 5 سبتمبر الجاري أن مالي في خطر، وأن هذا الخطر عابر للحدود، أي أنه يهدد دول الجوار الجغرافي لمالي. فمنذ أن أعلنت حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا تطبيق الشريعة الإسلامية في شمال مالي، وبدأت تقوم بعمليات همجية تستهدف الأوابد التاريخية والمقامات الدينية للكثير من الماليين، وتدمير حضارة شعب بأكمله وطمس معالمه التاريخية والدينية، أحدث هذه الممارسات صدمة عنيفة لدى بلدان الساحل الإفريقي المجاورة لمالي.
ففي موريتانيا، أعلن الرئيس الجنرال محمد ولد عبدالعزيز تصميمه على محاربة تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” في شمال مالي، وهو من أشد المدافعين للتدخل العسكري من قبل دول مجموعة غرب إفريقيا، ويسانده في هذا الموقف رئيس النيجر محمدو يوسوفو، حيث يتخوف جيشه من التواجد القوي للمجموعات الإسلامية في جنوب البلاد، ويخشى أيضاً من انطلاق تمرد جديد من قبل الطوارق في شمال النيجر.
ويشكل طلب الرئيس الانتقالي في مالي من دول مجموعة “إيكواس” الإفريقية الغربية إلى نشر قوة تدخل من ثلاثة آلاف فرد لاستعادة الاستقرار في العاصمة باماكو ثم تعزيز جيش مالي لمساعدته على استعادة الشمال الذي تسيطر عليه جماعات مسلحة وذلك بتفويض من الأمم المتحدة، تطورا لافتا في الأزمة المالية وتداعياتها الإقليمية. وكانت دول الاتحاد الإفريقي قررت منذ فترة مساعدة مالي في أزمتها وذلك بإرسال قوات للتدخل السريع في شمال مالي للقضاء على المتمردين وشل حركتهم ومنعهم من التقدم أكثر باتجاه مدن أخرى. وقد حظي هذا القرار بإجماع دول غرب إفريقيا المحاذية لمالي، ومنها الجزائر التي كانت مترددة كثيرا في الموافقة على القرار، لكنها حسمت أمرها الآن بعد إعدام الدبلوماسي الجزائري مؤخرا.
من الواضح أن هذا الطلب المالي لدول الجوار في غرب إفريقيا بالتدخل العسكري يشكل دعما للمجتمع الدولي كي يقر مجلس الأمن نشر قوات إفريقية في شمال مالي للقضاء على حركة التمرد التي تواجهها البلاد، لاسيَّما في الشمال. ويشكل التدخل العسكري المرتقب لدول الاتحاد الإفريقي في مالي الخطوة الصحيحة لوضع الأزمة المالية في إطارها الإفريقي ويمنع الدولة الكبرى الطامحة، لاسيَّما فرنسا من استغلال الأزمة المالية لتوظيفها لخدمة مصالحها الإستراتيجية للسيطرة على مالي، في إطار الصراع التنافسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر القوة العسكرية الأولى التي تدعم دول الساحل الإفريقي لمحاربة الإرهاب.
Filed under: موريتانيا Tagged: موريتانيا
No comments:
Post a Comment