Saturday, 8 September 2012

الى جنة الخلد…يا أبانا | ‫#موريتانيا أخبار


السبت 8 أيلول (سبتمبر) 2012









د. باب ولد أحمد ولد الشيخ سيديا

لم أزل فى صدمة من أمرى، وأنا العبيد الحقير في مصاب جلل كهذا. لكنى لم أجد عزاء أجمل ولا أورع ولا أكثر صدقا، من هذه الأبيات :


أكذا المنون يقطر الأبطالا ** أكذا الزمان يضعضع الأجبالا


جبل تسنمت البلاد هضابه ** حتى إذا ملأ الأقالم زالا


ياطالبا من ذا الزمان شبيهه ** هيهات كلفت الزمان محالا


هي لحظات تعاسة وحزن تمر كالصاعقة على قلوب ولهة محبة فتدمرها أيما تدمير لتعلمها أن الحياة رسالة قدسية فى أبعادها تتعالى عن الأشياء الشكلية والصورية، لتكون درسا رائعا قلما يعيه أهلها إلا بعد مضي السنين وتعاقب الأجيال…فتنهمر الدموع مودعة وباكية على شخصيات عظيمة أثرت فى التاريخ أيما تأثير وصنعته غير متفاخرة ولا متباهية بافعالها ولا ما قدمت لشعوبها لتسكن فى سجل الخالدين.


هكذا كان الشنافي ــ من بين أشخاص قليلين يحسبون فى هذا الجانب ـ رمزا للشخص المثالي في كل الأشياء والصفات، فقد قطعوا على أنفسهم وعدا فى هذه الحياة فأوفوه حقه و آتو أكله يوم حصاده، غير منسلخين وراء الماديات ولا الشهرة ولا الجاه بما يمكن صاحبه من مكانة مسموقة فى غالبها أوهام تتصورها الشعوب.


ما أمر تلك اللحظات على قلبى ــ وأنا الوله بحضرته ــ وما أتعسها عندما رن هاتفى وأنا فى خلوة من أمرى وإن كانت ليس بالمفهوم التصوفى البحت ليخبرنى خبرا مزعجا ـ تمنيت ألا أسمعه أبدا ما دمت حيا بوفاة من علمنى وعلم غيرى قيمة العقل ودوره الميكانزمي في كل الأشياء.


كنت أفكر هذه الأيام فى زيارة شيخى ومعلمى الأول إذا جاز الاستعمال، وكأن ملاكا همس همسا فى أذنى بالوداع، ليخبرنى بأن المهمة انتهت بعدما عجزنا كل العجز عن اغتنامها والاستفادة من تراكماتها المعرفية.


فقد كان نعم المعلم الذي تشد إليه الركاب من كل الآفاق نظرا لعلمه، فلم أر عالما ولا مؤرخا مثله فى اتزان الكلمة ووضوحها واتساق الأفكار ونضوجها، وليس الأمر هنا مبالغة ــ فقد علمتنى أن أتريث فى الأحكام القيمية كي لا تكون جزافا فأنجرف فى فضاء المجاملة وتقديس الأشياء.


عرفت الشنافى كما كان يحبذ عن قرب فقد تعلمت على يديه قيمة العلم و الأفكار وكيفية تفسيرها، ليكون اللقاء الأول ــ بعدما تمنيته كثيرا ــ فى صائفة 2007م فى قرية عين السلامة عندما أتيته أبغى العلم بعدما دوت سمعته فى الآفاق، واشتغل على أفكاره الكثير تدوينا وبحثا.


لم يكن لقاءا تقليديا بمعنى زيارة ابن عم وأب بل سألنى عن كل الأشياء ليدرك مداركي العقلية وهل بإمكانى أن أستوعب الدرس أم انى كمثل الجميع يفكر تفكير العاجز المنضوي وراء الذكريات والماورئيات الخارقة، فيفسر الأحداث وفق هواه تفسيرا اتراجيديا يدل على عظم الأنتكاسة التى اصابتنا بعد أفول الحضارة العربية الاسلامية عندما غاب العقل والتفكير. وصارت المختصرات المهتمة بالماورئيات الغيبية هي المنتشرة.


وكأنى أراه يكرر قولة ابن خلدون فى هذا المجال:”وكأنما لسان الكون ينادى فى العالم بالنوم والخمول. فأجاب”.


كان الرجل من طينة أخرى لا كطينة أقرانه ولا معاصريه، أتذكر فيه شخصيات أثرت فى التاريخ وصنعته، وغابت عنه بانتقالها الى الرفيق الأعلى. لأن فهم المجتمع وقدراته العقلية لم تسوعب أبدا ما يقدم من أفكار ناضجة تتعالى عن الكتابة بصيغة مدائحية قبلية أو جهوية فى مبناها ومعناها. فترد صنيع القوم وحضارتهم إلى شخص ما، أو حدث فردي الغاية منه فى النهاية بروز تلك الفئة أو الإثنية بكونها صانعة التاريخ.


أتذكر دائما عبارة “أهل الخيام” بما تحمل من دلالات عميقة، وماتسنه من مشروعية لتساوى القوم وقدراتهم، وهي نقد دفين كذلك لآليات بنيوية استقام العود عليها حتى نضج وأتى أكله بطريقة رجعية تمجد الفرد لكونه صانع كل الأشياء.


ما أمر الحدث وما أثقله من نبإ على أهل العلم ــ وإن كنت لست منهم ــ فهم الذين عرفوا الرجل حق المعرفة وخبروه عن قرب فهو البحر المتحبر في كل العلوم والصنوف، فتارة تجده اللغوي الرصين، والفيلسوف المتسع الذهنية، والاجتماعي العارف بالمعايير الاجتماعية وتقلباتها، وتارة الإخباري النسابة فقلما كتابا قرأه إلا ووضع عليه ملاحظات، فقد حبانى الله بأن شاهدت بعض ملاحظاته على كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني، العارف بلغات عديدة والقارئ بها كذلك، ذات مرة ونحن في غمرة نقاش قال لى يجب عليك ان تتعلم الفارسية، نظرا لما ستقدم إليك في أبحاثك المستقبلية ــ وإن شئت درستها لك ــ لكنى أنجرفت ــ عاتبا على نفسي في لحظات حيث لا ينفع الندم وراء أقرنائي وندمائي من بنى دنيا اليوم.


اليوم نقف لنسائل التاريخ عن رجل ضيعه أبناء بلده أيما تضييع فلم يراعوا حق العالم الموسوعي الفهامة الناقد بنفاذ بصيرة وحنكة، ودهاء تدل على أنه قرأ الكثير عن الأمم وتحولاتها الإبستيمية التى تصنع التاريخ وتخلقه، بدل الأوهام والأساطير.


ولم يسعفه رجال فكره ولا ساسته ولا أهل المخزن فيه رغم تعاقبهم، لكن اللون والمسمى واحد، فلا مكان للعلماء، إلا ما كان من تمجيد الحاكم وزبانيته. لكأنى أتمثل قول الحمداني:


أرى المعالى إذ قضى نحبه ** تبكى بكاء الواله الثاكل


غاب الشنافى عن هذه الربوع التى تهواه مخلفا الكثير من الدروس والمواعظ لشعب استكان كغيره فى لحظة من تاريخه لقدره المتمثل فى نسيان العلماء وعدم الاهتمام بمناقبهم وتقديرهم، ولعمرى هو قمة الجهل بمآلات الحياة. فلم يلفح أبدا شعب لم يقدر علمائه حق التقدير رافعا شعارهم لكونهم مثلوه أحسن تمثيل حين غاب الممثل والممثل.


ستبقى رمزا كما كنت بدون ضوضاء ولا ضجيج لحب العلم وأهله، وسيتوقف التاريخ ليكتب بحروف من ذهب على من حاول قدر المستطاع حتى رحيله افهامنا قيمة العلم ودوره فى النهوض بالشعوب.


رحل بدون ضجيج كما كان يتمنى وكما عاش مؤمنا بالأفكار التى تبنى ولاتهدم…رحل عن عالمنا الدنيوي حيث الدسائس والمؤمرات الى عالم أخروي نحسبه عند الله من شهدائه ولا نزكي على الله أحدا.


أتركتنا ونحن من آمنا بأفكارك ومشروعك النخبوي فى الحياة، فلو كان الفداء لفديناك لتبقى كما كنت وفيا لوطنك وأمتك، راعيا لنا كما كنت، مصححا الاعوجاج فينا وما أكثره. فكنت نعم الوالد لبنى الأمة الشنقطية، بدون تصنيف ولا تراتبية.


فالعين بعدهم كأن حداقها ** كحلت بشوك فهي عور تدمع.


فإنا لله وإنا إليه راجعون، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا مايرضى الرب. فالمصاب جلل قد أدمى قلوبنا فلم نملك من أمرنا سوى البكاء على فقيد أمة وشعب. لكننا مؤمنين إيمانا تاما بأنه مامات من أبقى ثناء مخلدا، فستبقى حاضرا فى وجداننا وأخيلتنا مادامت الأراضين والسموات، وما غرد طائر الفينيق فى هذه الدنيا.رحم الله السلف وبارك فى السلف.


عودة للصفحة الرئيسية




مصدر




Filed under: موريتانيا Tagged: موريتانيا

No comments:

Post a Comment